ابن بسام

166

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن أبي سفيان في قرطبة ببضاعة نزرة . وأعلى ما انتقل إليه عند إكداء تلك الحرفة الاستخراج في جهة الأحباس ، وراثة [ 1 ] عن والده محمّد السّقاء . وبأسبابها خدم القضاة وتمرّن مع الفقهاء ، وهو يقتات معيشته مياومة ، ويأوي ليله إلى بيت في دويرة والده محمد بجوفيّ المسجد الجامع ، يحاضر فيه جماعة إخوة لا يجد بينهم إلى مدّ ساقه سبيلا . وما هو إلّا أن حمل الأمانة على كاهله ، فوضعها أسفل رجله ، وتذكّر عضّ الكلاب لعصاه ، فتحوّل جرذا للسّرق والخيانة ، وابتنى القصور المنيعة ، واقتنى الضياع المغلّة ، إلى أملاك لا تحصى كثرة . قال ابن بسّام : وقد رأيت ابن حيّان مدح ابن السّقاء في غير ما موضع من كتابه ، فقال فيه في فصل : وصار من المناجح للدّولة الجهوريّة أن استعان فيها الوزير الرئيس أبو الوليد جهور على أمره بالأمين أبي الحسن إبراهيم بن محمد ، متولي النّظر في المسجد الجامع على قديم الأيّام ، خادمه الكافي المنقطع إليه ، ونصيحه المتهالك [ 2 ] في طاعته . فتفرّس فيه فراسة مثله ، فقلّده القيام بأعباء دولته ، فأصاب نقّافا يخذم [ 3 ] ، ونفذ فيما يريد عنه كالسّنان اللّهذم ، لجودة استقلاله ، ورجاحة وزنه . ثم ذكره بعد مقتله فقال : وهذه عصفة من عصفات الدّهر الخئون ، الذي هو لمن أصغى إليه أنصح الواعظين [ 95 ] . قصفت من هذا الرّجل / الظالم - كان - لنفسه ، الغاشّ لمصطنعه ، سرحة نوّارة أطال الباطل مرعها من غراس أودع خضراء دمنة . فموّه على أهل وقته بليانة كانت فيه سوقيّة ، وخلابة [ 4 ] جبليّة ، عضدها جدّ صاعد رقّاه من الحضيض إلى السّها ، وحرسته إلى مدّة اجتذبته عند توفّيها أعراقه اللئيمة ، فتولّى ذميما لسوء أفعاله ، فلا سماؤه بكت عليه ولا أرضه . وقد كنت كتبت من وصف ظاهر محاسنه أوان اعتلاقه بقهرمة أميرنا محمد بن جهور ، وعددت من حسان خصاله ما لم يبعد عن الصدق عنه ، لأخذنا بظاهر ما تموّه في العيون وقت بنائه لنفسه ، وتنفيقه لكساده ، من طأة الخلق ، وحسن الاحتمال ، ولين الحجاب ، وخفّة المواطأة ، وجودة الوساطة ، معرضين فيه عن

--> [ 1 ] ص : وارثه . [ 2 ] ص : وتصحبه التهالك . [ 3 ] ص : يحدث . [ 4 ] ص : وخلانة .